محمد جمال الدين القاسمي

265

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بهم ، كيف تركتم عبادي ؟ فيقول : أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلّون . و في الحديث الآخر « 1 » : إن معكم من لا يفارقكم إلّا عند الخلاء ، وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم ! . و ( المعقبات ) جمع معقبة من ( عقّب ) مبالغة في ( عقب ) فالتفعيل للمبالغة والزيادة في التعقيب فهو تكثير للفعل أو الفاعل ، لا للتعدية . لأن ثلاثيّه متعدّ بنفسه أصل معنى ( العقب ) مؤخر الرّجل . ثم تجوّز به عن كون الفعل بغير فاصل ومهلة . كأن أحدهم يطأ عقب الآخر . قال الراغب : عقبه إذا تلاه . نحو دبره وقفاه وقيل : هو من ( اعتقب ) أدغمت التاء في القاف ؛ وردّوه بأن التاء لا تدغم في القاف من كلمة أو كلمتين . وقد قال أهل التصريف : إن القاف والكاف ، كل منهما يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما . والتاء في ( معقبة ) واحدة ( المعقبات ) للمبالغة لا للتأنيث ، لأن الملائكة لا توصف به . مثل نسابة وعلامة . أو هي صفة جماعة وطائفة . و مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ظرف مستقر صفة مُعَقِّباتٌ أو ظرف لغو متعلق بها . و ( من ) لابتداء الغاية أو حال من الضمير الذي في الظرف الواقع خبرا . والكلام على هذه الأوجه يتم عند قوله وَمِنْ خَلْفِهِ . ويجوز أن يكون ظرفا ل يَحْفَظُونَهُ أي : معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، أي تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال ، كناية عن حفظ جميع أعماله ، ويجوز أن يكون يَحْفَظُونَهُ صفة ل مُعَقِّباتٌ أو حالا من الظرف قبله ، بمعنى أن المعقبات محيطة بجميع جوانبه . تنبيهات : الأول - ما قدمناه في معنى الآية هو الأشهر . وعن ابن عباس : هو السلطان الذي له حرص من بين يديه ومن خلفه . قال الزمخشري : أي يحفظونه في توهمه وتقديره ، من أمر اللّه . أي من قضاياه ونوازله . أو على التهكم به . قال الرازي : وهذا القول اختاره أبو مسلم الأصفهاني . والمعنى : أنه يستوي في علم اللّه تعالى السرّ والجهر . والمستخفي بظلمة الليل والسارب المستظهر بالأعوان والأنصار . وهم الملوك والأمراء ! فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت اللّه أمره ، ومن سار نهارا بالمعقبات وهم ، الحراس والأعوان الذين يحفظونه - لم ينجه حرسه من اللّه تعالى !

--> ( 1 ) لم أقف على هذا الحديث بعد البحث عنه في ما بين يديّ من أصول السنّة .